محمد بن جرير الطبري

407

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

قالوا : فإن ظن ظان أن النعمتين بمعنى النعم الكثيرة ، فذلك منه خطأ وذلك أن العرب قد تخرج الجميع بلفظ الواحد لأداء الواحد عن جميع جنسه ، وذلك كقول الله تعالى ذكره : والعصر إن الانسان لفي خسر ، وكقوله : لقد خلقنا الانسان ، وقوله : وكان الكافر على ربه ظهيرا . قال : فلم يرد بالإنسان والكافر في هذه الأماكن انسان بعينه ، ولا كافر مشار إليه حاضر ، بل عني به جميع الانس وجميع الكفار ، ولكن الواحد أدى عن جنسه كما تقول العرب : ما أكثر الدرهم في أيدي الناس ، وكذلك قوله : وكان الكافر معناه : وكان الذين كفروا . قالوا : فأما إذا ثني الاسم ، فلا يؤدى عن الجنس ، ولا يؤدى إلا عن اثنين بأعيانهما دون الجميع ودون غيرهما . قالوا : وخطأ في كلام العرب أن يقال : ما أكثر الدرهمين في أيدي الناس بمعنى : ما أكثر الدراهم في أيديهم . قالوا : وذلك أن الدرهم إذا ثني لا يؤدى في كلامها إلا عن اثنين بأعيانهما . قالوا : وغير محال : ما أكثر الدرهم في أيدي الناس وما أكثر الدراهم في أيديهم لان الواحد يؤدي عن الجميع . قالوا : ففي قول الله تعالى : بل يداه مبسوطتان مع إعلامه عباده أن نعمه لا تحصى ، ومع ما وصفنا من أنه غير معقول في كلام العرب أن اثنين يؤديان عن الجميع ، ما ينبئ عن خطأ قول من قال : معنى اليد في هذا الموضع : النعمة ، وصحة قول من قال : إن يد الله هي له صفة . قالوا : وبذلك تظاهرت الاخبار عن رسول الله ( ص ) ، وقال به العلماء وأهل التأويل . القول في تأويل قوله تعالى : وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ( ص ) : إن هذا الذي أطلعناك عليه من خفي أمور هؤلاء اليهود مما لا يعلمه إلا علماؤهم وأحبارهم ، احتجاحا عليهم لصحة نبوتك ، وقطعا لعذر قائل منهم أن يقول : ما جاءنا من بشير ولا نذير ، ليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا ، يعني بالطغيان : الغلو في إنكار ما قد علموا صحته من نبوة محمد ( ص ) والتمادي في ذلك . وكفرا يقول : ويزيدهم مع غلوهم في إنكار ذلك جحودهم عظمة الله ووصفهم إياه بغير صفته ، بأن ينسبوه إلى البخل ، ويقولوا : يد الله مغلولة . وإنما